قصة الفأر (ص 59-69) قصة رمزيّة يعبّر فيها الكاتب عن أطماع العدو الصهيوني في أرض الوطن الفلسطيني. وهي تبدأ بتساؤل على لسان الراوي يعكس إحباطه ويأسه من إنصافه من فأر صغير تسلّل إلى غرفته ذات يوم، "فاستوطنها" وحال حياته الهادئة الوادعة إلى حياة يغلب عليها قلق كبير. لقد سمح الراوي للفأر بالتسلل إلى الغرفة شفقة عليه ورغبة في أن يجنّبه الجوع، ولم يجرؤ بعد ذلك على طرده خوفاً من أنْ يُتّهم من قِبل "جمعية الرفق بالحيوان" بجريمة التّعدي والتحريض على مخلوق ضعيف مظلوم. ولكن الفأر يتمادى ويقرض أوراقه الثمينة. ولم تُجدِ محاولات الراوي لطرد الفأر أو شنّ حرب عليه أو التفاوض معه، وكذلك لم يُسعفه استنجاده بأهل بيته الذين اضطر إلى إطلاعهم على حقيقة الأمر بعد أن حاول إخفاءها عنهم. وزاد من مصيبته وإحباطه سخرية أهله منه. ويستمر الفأر يوسع من مراكزه التي يستوطنها؛ فيهاجم غرفة أخته. وحين تصمّم مع أخيها على مواجهة الفأر يهاجمهما بعنف، فيضطران إلى التنازل عن غرفة يختارها الفأر، الأمر الذي لا يستجيب له لقناعته بأنّهما عاجزان ضعيفان. وينتهي الأمر بأن يُجبرا على عقد إتفاقية مع الفأر، نتيجة توسط كبير الوسطاء، يتنازلان فيها عن غرفة الأخت، والإكتفاء بالعيش في غرفة واحدة. ويظل الخوف يُلاحق الراوي لاعتقاده "بأن الفأر يظل فأراً" قد يواصل اعتداءاته (ص 69). ولا يخفى على القارئ ما عناه الكاتب بهذه القصة التي ترمز إلى اعتداء الإسرائليين على الفلسطينيين واحتلالهم جزءاً من أرض فلسطين، واكتفاء العرب باللوم والسخرية.

        إنّ الرمز في القصة قريب وواضح. ويشبه قصة "الفأر" في رمزيتها القريبة ودلالتها على أطماع الصهيونية في فلسطين قصة أخرى بعنوان "قتلته الدجاجات" (1975) ص (71-81). يبدأ الكاتب هذه القصّة بداية مشابهة لبداية قصة "الفأر" من حيث أن الراوي يسجّل احترازه من أن يضحك القراء منه أو يسخرون، وما يكفيه كما يقول هو أن يستمعوا إلى قصته حتى نهايتها. وإذا كان بطل قصة "الفأر" فأراً، فإنّ بطل قصة "قتلته الدجاجات" رجل يهودي هو "الخواجه شمعون" الذي "قدم إلى الجليل في الثلاثينات من هذا القرن العشرين، يلبس القبعة الأوروبية، ويدّعي معرفة السحر والأمور الغيبية" (ص 71-72)، وهو مغرم بأكل لحم الدجاج. وقد جاء يسكن مدينة سلوان متقرباً إلى أهلها، حالاً ضيفاً عليهم. وهو يستطيب لحم دجاجهم، ويروي لهم قصته مع الدجاج. وقد استعان بهم في بناء قفص كبير يربي فيه الدجاج المفضّل لديه. وقد انهالت الهدايا من الدجاج على شمعون من قبل سكان سلوان ما عدا واحداً يُدعى "زَعَل" الذي، رغم سنّه الصغير، شتم الجنرال اللنبي الذي وقف يرد على كلمات مُستقبليه، فأخطأ في نطقه للفظ قبيلة "حمير" التي ينتمي إليها أهل سلوان حيث قال: "حَميْر" وليس "حِميَر". وقد أطلق الناس على زعل هذا اللقب، لأنه لم يرض عن صمتهم المُهين، وبقي يرقبهم بنظراته الغاضبة. كما امتنع "زعل" عن إهداء دجاجته الوحيدة لشمعون، الأمر الذي اعتبره الأخير إهانة، فكلّف أحدهم بسرقتها وضمّها إلى دجاجه، ولم يسمح لها بالتجوّل خارج القفص مثل بقيّة دجاجاته. وقد قام ديك زعل، وكذلك بقية الديكة في البلدة بمضايقة دجاجات شمعون الفزعة والمضطربة. وفي إحدى الليالي هاجمت تلك الدجاجات صاحبها "شمعون" وألحقت به جراحاً دامية، وغادرت بعدها القفص وتركته فارغاً، وعادت كلّ منها إلى بيتها مصحوبة بديك من ديكة القرية (ص 80).

        وكما هو واضح، فإنّ هذه القصة أيضاً ترمز إلى أطماع اليهود في فلسطين، وإلى محاولاتهم السيطرة على خيراتها، الأمر الذي نجحوا فيه، ليس فقط لدهائهم وخداعهم، وإنّما ساعدهم على ذلك جهل العرب وصمتهم. ومن ناحية أخرى، إذا كانت قصة "الفأر" قد انتهت برضا العرب الفلسطينيين بالأمر الواقع المتمثل في مقاسمة اليهود لهم وطنهم فلسطين، نتيجة عجزهم وضعفهم، فإن قصة "قتلته الدّجاجات" تنتهي نهاية مُغايرة تماماً؛ وهي انتصار زعل ومعه المناضلون الفلسطينيون على المستوطنين اليهود. وهذا أمر لا يُمكن تفسيره فقط بالواقع التاريخي للصراع العربي الإسرائيلي، وإنّما أيضاً بموقف الكاتب الأيديولوجي ورؤيته الفكريّة التفاؤلية في حسم ذلك الصراع لصالح العرب الفلسطينيين.

        تركيز على موضوعة الأرض

        وما دُمنا نتحدث عن الصراع على الأرض بين العرب والإسرائليين، فإنّه يصبح ملائماً أن نُشير هنا إلى قصتين أخريين لهما علاقة بهذا الموضوع، وإنْ تباعدتا في تاريخ كتابتهما، وهما: "سيدنا نمر" (1975) (ص 45-58) و "عودة روكي" (1993) (ص 29-36).

        أمّا أولاهما فتدور حول التمسّك بالأرض والدفاع عنها، بكل الوسائل الممكنة، أمام أطماع حكومة إسرائيل في الإستيلاء عليها. وقد انتهى ذلك الصراع بانتصار إرادة أهل القرية جميعهم ونجاحهم بأدواتهم البسيطة في أن يُخرِجوا الجرّافات الإسرائيلية من الأرض بالقوة. وفي هذه القصة عمل الكاتب نبيه القاسم في تعبيره عن ظاهرة الدفاع عن الأرض، على رسم شخصية فنيّة إرتفع بها إلى مستوى النموذج أو المثال من أجل حبّ الأرض والتضحية غير المحدودة للمحافظة عليها. فقد جعل من الجدّ "سيدنا نمر" شخصية أسطورية مقدسة تجعل من كل مَن عرفها والتقى بها إنساناً ذا مكانة مرموقة تستحق التقدير. وصار قبره مزاراً لجميع الناس في المناسبات، ودارت حوله الأقاويل والقصص.

        وإذا كان "سيدنا نمر" قد دفع حياته ثمناً لحبّه للأرض وحرصه عليها، فإنّ حفيده "ملحم" الذي يحمل بلطة جدّه يشكّل استمراراً له، لهذا فهو يخلفه في قيادة أهل القرية لحماية أرضهم. إنّ "ملحم" يمثل الوعي المتزايد لدى الجماهير العربية في إسرائيل، للحفاظ على الإنجازات التقدمية التي حققتها، وعلى حماية مكاسبها المتمثلة في بناء المدارس وفتح الشوارع وإعمار البلدة.

        وإذا كانت قصة "سيدنا نمر" تركّز على موضوعة الأرض، فإنّ قصة "عودة روكي" تتعرّض لهذه الموضوعة بشكل جزئي وغير مباشر. ودونما تمهيد كافٍ ومعقول.

        في قصة "التعويذة" (1981) (ص 37-44) ينقلنا القاصّ نبيه القاسم إلى موضوع مختلف وهو التغيّر الذي طرأ على قريته "الرامة" بعد العام 1977، وذلك عقب الإنقلاب الكبير في الحكم في إسرائيل ومجيء الليكود إلى السلطة. لقد توجّهت أفواج كبيرة من "الجراد السام" نحو القرية للإنتقام منها؛ ولكن أهل القرية أفشلوا ذلك، وكانت النتيجة أن حافظوا على مكانة بلدتهم بين بقية القرى العربية. إنّ الكاتب يرمز بالجراد السّام إلى الصّهاينة وعملائهم. وهو أيضاً يستخدم مصطلح "العفاريت" للدلالة على من ألحقوا الخراب بمبنى المجلس المحلي ومقر الحزب الشيوعي، وارتكبوا سرقات عدّة، وهاجموا شاباً من القرية بضربة على رأسه كادت تودي بحياته، كما اعتدوا على طبيب البلدة الشيوعي. أمّا الشّرطة فلم تفعل شيئاً ونسبتها إلى العفاريت.

        ومن الواضح أنّ اهتمام الكاتب ينصبّ على تصوير واقع الحياة السياسية والفكرية والحزبية في بلدة "الرامة". ومن المعروف أنه كانت هناك قوّتان تسيطران على البلدة: اليسار والشيوعيون من جهة، والمتديّنون والفئات التقليدية والمحافظة، من ناحية أخرى. ولا يخطئ القارئ أنّ الكاتب كان ميالاً إلى قوى اليسار.

        وهناك قصّتان أخريان يمكن تناولهما هنا وهما: قصة "وتكون لنا راية" (1988) (ص21-27)، وقصة "آه يا زمن!!" (1995) (ص 5-14).

        تعكس القصة الأولى أجواء الإنتفاضة وانعكاساتها على العرب داخل إسرائيل. تدور أحداث القصة في إحدى المدن العربية في إسرائيل حيث يشارك شبابها في فعاليات الإنتفاضة، حيث يلقون بالحجارة والقنابل الحارقة على الجنود الإسرائليين، الذين كانوا يردّون بإطلاق الأعيرة النارية والمطّاطية وخراطيم المياه. ولعلّ الكاتب يريد بعدم تحديد إسم تلك المدينة العربية الإيحاء بأن الإنتفاضة الفلسطينية العارمة، ستسود في كل الأماكن التي يسكنها عرب إسرائيل. وتتحدث القصة عن شاب عربي، طالب علم في الجامعة، له صديقة تشاركه نضاله. وفي عقب إحدى المواجهات بين العرب والإسرائليين التي شاركا فيها معاً، تطلب منه أنْ يُغادر مكان المواجهة وأن يتوجّه إلى بيته خوفاً عليه من الإعتقال. وبعد أن يصل إلى بيته وأثناء مشاهدته أحداث ذلك اليوم على شاشة التلفاز يطرق بابه ستة من رجال الشرطة، وينتهي الأمر باعتقاله، وفي نفس اللحظة كانت صورته تظهر على شاشات التلفاز. لم يكترث هو باعتقاله؛ لأنّه كان يعتقد بأن "له راية، وله نشيد، وله ما يقاتل وما يُعتقل لأجله" (ص27).

        أمّا القصة الثانية : "آه يا زمن!!" فتركز على التحول والتغير اللذين حصلا في الحياة العربية في إسرائيل عبر سنوات طويلة. ولقد حرص نبيه القاسم على أن يصوّر في قصّته كيف اختلف موقف العرب في إسرائيل من الإحتفال بأعياد الإستقلال الإسرائيلية مع تطوّر الزمن والأحداث. ولبيان ذلك فإنّ الكاتب يُشير إلى العيد السابع والأربعين لقيام دولة إسرائيل، وذلك حين جعل إبن الراوي يطلب منه أن يشتري علماً إسرائيلياً يرفعه كما يفعل الكثيرون، الأمر الذي لم يعد الأب يستهجنه؛ وإن كان يذكر، بالمقارنة، وحين كان طفلاً صغيراً، كيف أنّ معلّمته كانت تطلب منه أن يرفع العلم ويحرّكه حين يمرّ موكب الحاكم العسكري، وكيف أنّه كان يجد ذلك أمراً غير مُحتمل. إنّ الكاتب يُقارن بين موقف جيلين من العرب في إسرائيل. ويتساءل على لسان راوي قصّته قائلاً: "ما الذي حدث؟ وكيف حدث كل هذا...! وإلام النهاية!؟" (ص 7).

        ولكي يُجيب الكاتب على هذه التساؤلات، فإنّه يسرد على لسان الراوي مجموعة من الأحداث التي مرّت بالعالم العربي أدّت إلى إيجاد التحوّل والتغيّر في المواقف؛ منها قيام ثورة يوليو عام 1952 في مصر بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر، وحرب حزيران عام 1967، وحرب أكتوبر عام 1973، وحرب الخليج عام 1990، ومنها أيضاً الإتفاقيات التي تمّ توقيعها كمدريد وأوسلو وغيرها، بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية بحيث أصبح من الممكن أن يجتمع العلمان: الإسرائيلي والفلسطيني، فعديّ، إبن الرّاوي يحصل على علم إسرائيلي صغير من خاله، وهو فرح به؛ أمّا أبوه فيمدّ له يده بعلم ثانٍ يزهو بألوان أربعة وهو علم فلسطين يقول: "وضمّ الصّغيرُ العلمين معاً وراح يقبّلني، بينما كانت دموعي تنسكب على وجنتيّ" (ص 14).

        ومن المُلاحظ على القصص الثلاث الأخيرة أنّها جميعا استغلّت العَلَم كرمز يوظّفه الكاتب نبيه القاسم ليدلل على التحوّل الذي طرأ على طبيعة الصّراع العربي الإسرائيلي، وتحوّله إلى شكل من التصالح والسلام الذي يتمثل في قيام دولتين: إسرائيلية وعربية، يمثلهما علمان خاصّان بهما، بعد أن كان كلّ منهما دالاً على كيانين نقيضين عدوّين.

        أمّا آخر قصص هذه المجموعة القصصيّة، "مشاهد كل يوم" (1990) (ص15-20) فتنفرد في تصوير التفرقة العنصريّة الواضحة التي تسود الحياة في إسرائيل بين العرب من ناحية، وبين الإسرائليين من ناحية ثانية، ليس فقط على المستوى الشّعبي، وإنّما أيضاً على المستوى الرّسمي من قِبل بعض أجهزة الدولة، وعلى رأسها جهاز الشّرطة.

        وفي لفتة واضحة تدلّ على موضوعية الكاتب في تصوير مشاهد التفرقة العنصريّة بين العرب وبين الإسرائليين، فإنّه لا يتردّد في أن يصوّر فئة من الشّعب الإسرائيلي لا تؤمن بالتفرقة ولا تكترث بها، وذلك حين صوّر لنا شابة إسرائيليّة جميلة ذات طول متناسق وبشرة خمرية وهي تقبّل إبن الراوي الذي أراد أنْ يُطعمها من "بوظته" قائلة لأبيه: "إنّه ولد حبّوب" (ص17)، ولكن الذي لا شكّ فيه أنّ هذه الصّورة الإيجابيّة تتوارى أمام غلبة مشاهد التفرقة العنصرية المقيتة.

  

ملاحظات عامّة

        أولاً: يلاحظ أنّ الكاتب نبيه القاسم يُبدي اهتماماً كبيراً بالموضوعات التي تدور حولها قصصه القصيرة، وهي موضوعات تشغل باله وبال قرّائه من العرب في إسرائيل، وفي بقيّة أجزاء الوطن المُحتل؛ ومن ذلك الإستيطان الصهيوني ومصادرة الأراضي والمعاناة اليوميّة والتفرقة العنصرية بين العرب واليهود ونضال العرب الفلسطينيين ضد الإحتلال، وكذلك التحوّلات والتطوّرات التي مرّ بها العرب الفلسطينيون في السنوات الأخيرة. ومع أنّ الكاتب اختار شكل القصّة القصيرة لمعالجة تلك الموضوعات، إلاّ أنّ اهتمامه بالجوانب الفنية لقصصه لم يرتق إلى مستوى خلق شخصيات فنية فاعلة ومؤثرة ذات أبعاد نفسيّة عميقة؛ كما أن معظم البنى الفنية لقصصه القصيرة ظلّت أقرب إلى بنية المقالة منها إلى بنية القصة، وهذا يفسر غلبة سمة المباشرة والتقريرية على عالمه القصصي. ولم يفلح استخدامه للرّموز في بعض القصص من التخفيف من تلك السمات الفكرية. أمّا شخصيات القصص على وجه العموم- فظلّت أقرب إلى الأفكار منها إلى كائنات ذات لحم ودم. وأكثر من ذلك فإنّ القارئ يلاحظ أنّ لجوءه لاستخدام الرموز في بعض القصص مثل: "الفأر" و "قتلته الدجاجات" و "التعويذة" و "وتكون لنا راية" كان للتخلّص من التقريريّة والمباشرة، أكثر من كونها أي رموز- أدوات تعبيريّة فنيّة يُفترض أنّها تثري القصص القصيرة فنيّاً وجمالياً.

        ثانيا: إنّ قصص هذه المجموعة تعكس وعياً أيديولوجياً متقدماً لدى القاص نبيه القاسم بطبيعة الأدب وبوظيفته أيضاً في الوقت ذاته. وهو وعي أملته عليه رؤيته النّقديّة العميقة لعلاقة الأدب بالمجتمع، وضرورة أن يُعبّر عن القيم التقدّمية والإنسانية التي يجب أن تسود. إنّ وعي الكاتب الحاد برسالة الأدب الواقعيّة، المبشرة بالقيم الإشتراكية التقدمية يدفع بالضّرورة إلى اهتمامه بالمضمون بأبعاده الفكرية والأخلاقيّة التي تناط بالأدب، وقد يكون ذلك في أغلب الأحيان على حساب الجودة الفنيّة والصّياغة الجمالية.

        ثالثاً: إنّ تباعد زمان كتابة قصص المجموعة، وهو تباعد يصل مداه إلى عشرين عاماً، وإنّ تنوّع موضوعاتها وفقاً للظروف التاريخية التي انبثقت عنها تلك الموضوعات، جعلا من اليسير على الكاتب أن ينجح في تقديم صورة متماسكة وقوية عن وجهات النظر، التي أراد أن يحملها لقصصه القصيرة. لقد تنوّعت تلك الوسائل ووجهات النظر التي حرص الكاتب على إزجائها إلى قرّائه، لأنّها محكومة بالظروف التاريخية التي أحاطت بكتابته، وهي ظروف تحتمل الإنسجام كما تحتمل المخالفة، وهذا يفسّر -في أغلب الظن- ما يُمكن أن يوصف بالتناقض في بعض المواقف الفكرية للكاتب؛ فالعلم قد يكون مرة تعبيراً عن رضى بالأمر الواقع المفروض، كما في قصة "آه يا زمن!!" ثمّ يتحوّل بفعل تغيُّر الظروف إلى شكل من أشكال مقاومة  الإحتلال، كما في قصة "وتكون لنا راية"، ثمّ يُصبح مؤشراً على التصالح والتعايش، كما في قصة "آه يا زمن!!" مرة أخرى؛ وقد يكون وسيلة لمهادنة المحتل وتجنّب شروره، كما في قصته "التعويذة".

        رابعاً: وردت بعض الأخطاء اللغويّة في بعض قصص المجموعة، وهي على قلّتها تستحق أن يُشار إليها، خاصة إذا أراد الأخ نبيه القاسم أن يُعيد طباعتها من جديد، ومنها قوله: لوحده بدلاً من وحده، حيث لا تدخل اللام على هذه الكلمة، وهي حال منصوب جامدة، وقد وردت في الصفحات التالية: (33، 51، 62، 63). ومنها أيضاً قوله: استَطْيبَ طعامي بدلاً من قوله استطاب طعامي (ص60)؛ ومنها: الحاكم العسكري المهيوب جداً (ص 38) بدلاً من المهيب.

        وهكذا، فإنّ نبيه القاسم في مجموعته القصصية الأخيرة "آه يا زمن..!!" يطلّ بنا على حياة العرب في إسرائيل بكل ما يشكل خيوط نسيجها من مرارة، ومعاناة، وتحوّل، وتطلّع إلى المستقبل؛ مسلحاً برؤية أيديولوجية واعية، وبطاقات فنيّة جيّدة.

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi