تداخل النصوص بين زياد خداش وسهيل كيوان

 د. نـبـيـه القــاسم



قد تكون صدفة، وقد تكون مقصودة هذه الإشراقة الإبداعية لكل من زياد خداش وسهيل كيوان كما تبدّت في النصّين الجميلين (أنا سارق كتب فاحذروني) و (حفيفها) اللذَين ظهرا جنبا إلى جنب على الصفحة الأدبية في "كل العرب" يوم الجمعة 28.10.2005.

ولأنّ سهيل هو المحرر الأدبي فيصعبُ على القارئ تَقبّل فَرضيّة الصدفة ويميل أكثر إلى القَََصْديّة من جانب سهيل، وقد تكون أقرب إلى الرّغبة في النديّة مع ميل إلى التحدّي وإبراز العَضلات كما يحدث على حلبات المُصارعة. ولم يُخف سهيل رغبة التّحدي ولا القصْدية في المُواجهة حيث أهدى نصّه إلى زياد وامتنع عن نسبتة إلى نوع مُحدّد، وتركه للقارئ ليُحدّد هويّتَه كما يفعل زياد في كل نصوصه التي يكتبها.
قد يكون سهيل قصد أن يهمس بالكلمات مُنبّها صديقه إلى مخاطر استخدامه للجنس حتى الاستنزاف في معظم إبداعاته، وأنْ حَسْبَه ما قدّم، فقد شقّ طريقا مُتميّزا ولكنه قد يستنفذ نفسَه ويخبو ويضيع. وفي نصّ سهيل الكثير من إشارات التحذير لزياد: أنّك لستَ وحدَك القادر على استخدام الجنس في الإبداع الأدبي. فإيّاك نصّي إذا شككتَ بكلامي.
اعتدنا في نصوص زياد الإبداعية على مِحْوَريّة الجنس، وأنّه نقطة الإلتقاء والانطلاق في كلّ مكان وزمان. وقد تفننَ زياد وشفّ وأوغل في رسم صُوَر الجنس، ولم تردعه عن ذلك سَطوةُ المدير ولا عتاب الأهل وحرمة البيوت وما تعارف عليه الناس من عادات وتقاليد، ولا دبّابة المُحتل وغضبة الجُند القُساة.
يروي سهيل في نصّه ما جرى له عَرَضا في طريقه اليومي إلى مكان عمله في الناصرة حيث استرعت انتباهه شجرة مُتميّزة عن غيرها تُقابله كل يوم ما بين قرية كوكب أبو الهيجا والناصرة. ما لفت انتباهه عُرْي الشجرة حتى تحسبها ميّتة والخضرة لا تعرفها إلاّ في أيام قليلة من السنة. ويبدو أنّ تجرّدها من الورق أثار خياله فشطّ به وجعله يتخيّلها امرأة بكامل عريها تتحدّاه كل يوم فارتبك. واكتفى في الأيام الأولى بإلقاء التحيّة، ثم أخذه خياله إلى تصوّرها تبتسم له ومن ثمّ تدعوه للاقتراب منها فانجذب من حيث لا يدري وترجّل من سيارته فسمع حفيف أغصانها العارية من الأوراق، وأخذ يُمرر أطراف أنامله على جذعها ثم على أغصانها ووريقاتها وبراعمها القليلة ويسمع تأوهات ضعيفة تشدّه أكثر وأكثر إليها. وكرّر اللقاء في اليوم الثاني وأثارته الرائحة العطرة التي أخذت تنبعث منها فزادت ملامسته لها ولم يمض أسبوع إلاّ والشجرة قد اكتست بالأوراق وبأزهار ليلكيّة شديدة النعومة. وأصبحت لقاءاته مع الشجرة فريضة يوميّة يُمارس معها طقوس الحب العنيفة، ويصل إلى النشوة الجنسية القصوى التي كان يشك أنه يستطيعها بعد هذا العمر اللعين وذهاب أيام الفتوّة والشباب.
لكن سهيل أراد أن يأخذ بالقارئ إلى أبعاد أخرى بعيدة عن الجنس حتى لا يُتّهم بالشذوذ، فأنهى قصة عشقه للشجرة بخروج الرجل الغريب الذي يحمل منشارا استخدمه في قطع الشجرة التي أخذت تستغيث حتى ينقذها، لكنه هرب أمام مطاردة الغريب وتلويحه له بالمنشار وما قد يفعله به. فالشجرة أخذت صورة الوطن وسهيل هو ابن هذا الوطن العاشق له والغريب هو الذي سلب الوطن وطرد العاشق.
لكن رغم هذا الانحراف بعلاقة العشق مع الشجرة لتكسبَها بُعْدا وطنيا هادفا، إلاّ أن الجنس يظل نقطة التبئير الرئيسية والمقصودة في القصة. ولم يكن سهيل كيوان أوّل مَن شابَه ما بين الشجرة والمرأة، فكثيرون قبله فعلوا .وزياد خدّاش يأخذنا بسحر كلماته التي اعتدناها في نصوصه الجميلة بقصته الغريبة مع الكتب التي استرعت انتباهه منذ الصغر برائحتها المتميّزة المثيرة التي فتّحَتْ لديه حاسّة الشمّ التي ساقته في مرحلة لاحقة إلى مزاولة اللمس حيث كان يجالس الكتب يتلذذ بتنشق رائحتها ويُسحَر بملامستها وتحسسها، وتأخذه النشوة إلى تعدّي المظهر الخارجي للكتب والأوراق إلى مضامينها، تقفز له من بين سطور صفحاتها العشرات والمئات من الشخصيات ولكنه لا يرى إلاّ النساء الجميلات وإن لم يقل ذلك صراحة. وحاول خداع القارئ بقوله : "إنّ الكتب ليست رائحة وصوت وملمس فاخر فقط، هي كنز معرفي وحيوات كثيرة وتاريخ، بشر ومصائر شعوب، وفنون أيضا." ويقول: "إنّ الكتب أصبحت صديقتي التي لا تخون ولا تخذل ولا تتجسس على أخباري وتنقلها لأعدائي، إنها الكتب التي ترمّم ما خرب من روحي، تُقلّم شجر وجداني الوحشي، تهذّب من فظاظتي في استدعاء حواسي حين يلتهب الجسد بنار امرأة ألقت تجاه أدغالي ببحيرتها الضاجّة بالبط والظباء والمشمش والشوكولاتة. إنها الكتب التي تؤكد انسانيتي وحقي في استخدام الحياة لأعرف أكثر وأمارس الحيرة المنتجة وفن السؤال اللذيذ."
لكن زياد يعترف صراحة أن ممارسته مع الكتب هي ممارسة حب وجنس " أنام مع الكتب كل ليلة، أمارس معها الحب، الكتب تشبه المرأة تماما . قراءة الكتب التي نحبّها هي نفسها ممارسة الجنس مع المحبوبة" لكنه يُحاول فلسفة كلامه واعترافه بقوله: " لكن الذهن والقلب يحلان محلّ الجسد في الثانية، والنشوة في الأولى هي نشوة القلب والذهن وقد نعبّر عنها بصيحة أو بارتجاف بتنفس للصعداء أو بشهيق طويل، أما الثانية فهي صيحة جسد ممتعة وصاعقة ومغرقة في ظلاميتها وبدائيتها، كلتاهما ، أقصد النشوتين، هما التجسيد الأروع والأصفى والأعظم والأدق لهذه الفاتنة المجنونة التي تدعى حياة".
هكذا تتدفّق الكلمات منسابة متلاحقة إيقاعية ساحرة جارفة في كلامه عن المحبوبة والعشق والجنس كدأبه في كل إبداع مشابه. وفي هذا النص نراه يتجاوز الخيال ويخترق عالما لم يطرقه أحد قبله هو عالم الكتاب لينفض عن الكتاب تلك المسحة القدسية التي غلفه بها البشر منذ أوجدوه وقدّسوه وحمّلوه قصصهم وأفكارهم وأحلامهم وقضاياهم ومشاعرهم وسجلاتهم وتاريخهم فسموه بالصديق الوفي ووصفه الشاعر بأنه خير جليس على مرّ الأزمنة. جاء زياد ليهتك هذه القدسية ويجتاز الحدود إلى المضامين التي يريد ليستخرج الشخصيات التي يحلم بها ويعايشها ويدب فيها الحياة لتتمثل أمامه حوريات أقرب إلى آلهات الحب والجمال التي عرفناها في الأساطير ، وعايشها وأقام معها العلاقات فتشمم رائحتها العطره ولامس مواضعها الجميلة الفاتنة وعاش معها أحلى حالات الحب والنشوة القصوى.
صحيح أن سهيل بنصه الجميل قارب عالم زياد في نصوصه المتفرّدة، ونبهه إلى مخاطر التقوقع في أسلوب واحد وموضوع لا غير، وقد يصبح واحدا بين كثيرين يشاركونه في ذلك الاختيار. ونص سهيل مثل على ما يُمكن أن يكون. لكن زياد بنصه أثبت أنه قادر حتى الآن أن يطرق عوالم ويدخل كهوف ويستخرج دررا من مناجم لم يسبقه إليها أحد.
فتداخل النصين في تناول الموضوع الواحد يدل على القدرة في الإبداع لدى الكاتبين. فهنيئا لزياد وسهيل ونحن بانتظار المزيد من النصوص الإبداعية الجميلة.

 

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi